United Nations Welcome to the United Nations. It's your world.

الجعفري: دول في مجلس الأمن تقوض العملية السياسية في سورية

الأربعاء, 19 (آب (اغسطس 2020
المتحدث: 
السفير د. بشار الجعفري
المكان: 
مجلس الأمن

بدايةً، أتوجه إليكم ولجمهورية إندونيسيا الصديقة بالتهنئة على رئاسة بلادكم لمجلس الأمن للشهر الجاري، كما أتوجه لزميلي سعادة المندوب الدائم لروسيا الاتحادية ولبلاده الصديقة بأحر التعازي بالحادث المؤلم الذي وقع يوم أمس والذي أدى إلى وفاة لواء وإصابة جنديين في الجيش الروسي بعبوة ناسفة زرعها الإرهابيون واستهدفت موكبهم بعد عودتهم من مهمة إنسانية في محافظة دير الزور السورية.

السيد الرئيس،    

        منذ أن اعتمد مجلس الأمن ما يسمى بالعملية السياسية أساساً لحل الأزمة في بلادي، تداعى البعض من الأعضاء الدائمي العضوية في هذا المجلس بالذات إلى تقويض هذا النهج يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وسنةً بعد سنة، إلى درجةً تحول فيها بعض أعضاء هذا المجلس، للأسف، لاستخدامه عملياً لدعم الحرب الإرهابية على سوريا وتبرير احتلال أراضيها والاستثمار في الإرهاب. وكنا كلما تقدمنا إليكم بشكوى أو أعلمناكم بوقائع حول أعمال دعم للإرهاب وعدوان واحتلال ونهب وتدمير لمقدرات بلادنا كلما ازدادت الضغوط الغربية لحرف جهود مجلس الأمن ومنعه من الاضطلاع بدوره في الحفاظ على أحكام الميثاق وضمان احترام حيثيات قراراته ذات الصلة بالوضع في سوريا وفي مقدمتها ضمان الالتزام التام من قبل الجميع بسيادة ووحدة أراضيها.      

        فما الذي فعله مجلس الأمن لإنهاء الاحتلال الأمريكي لأجزاء من أراضي بلادي؟ وما الذي قام به لوضع حد للاحتلال التركي وممارسات نظام أردوغان الراعي للإرهاب؟ وما هي الخطوات التي اتخذها مجلسكم لدعم جهود الدولة السورية وحلفائها لمكافحة الإرهاب والتصدي لعشرات الآلاف من "الإرهابيين بلا حدود" الذين تسميهم الأمم المتحدة بـ"المقاتلين الإرهابيين الأجانب" ومساءلة حكومات الدول التي قامت بتجنيدهم وتمويلهم وتوفير شتى أشكال الدعم لهم؟

السيد الرئيس،

في الوقت الذي تعهد فيه أعضاء مجلس الأمن في مستهل قراراتهم المتعلقة بالوضع في بلادي كافةً بالالتزام القوي باحترام سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة وسلامة أراضيها، خطت قوات الاحتلال الأمريكي، على مرأى من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، خطوةً جديدةً لنهب موارد سوريا وثرواتها الطبيعية بما فيها النفط والغاز السوريين. وتمثلت تلك الخطوة في قيام شركة Delta Crescent Energy الأمريكية، برعايةٍ ودعمٍ من الإدارة الأمريكية، بإبرام عقدٍ مع الميليشيات الانفصالية المسماة بـ"قوات سوريا الديمقراطية / قسد" العميلة للقوات الأمريكية التي تحتل أراضٍ في شمالي شرق سوريا، وذلك بهدف سرقة النفط السوري وحرمان الدولة السورية السوريين كافةً من عائداته الأساسية اللازمة لتحسين الوضع الإنساني وتوفير الاحتياجات المعيشية وإعادة الإعمار. 

تخيلوا، أيتها السيدات والسادة، شركةٌ مغمورة تولد من العدم ويقودها سفير الولايات المتحدة الأمريكية السابق في الدانمارك، جيمس كين، وضابط متقاعد من قوة "دلتا" الأمريكية يدعى جيمس ريس، وخبير نفطي، وكل ذلك برعاية ومباركة من الإدارة الأمريكية التي قامت فعلياً بإنشاء هذه الشركة.  

إن هذا السلوك الأمريكي الذي يتناقض مع القانون الدولي ومع ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن لم يأت بشكل مفاجئ، ذلك أن الإدارة الأمريكية كانت قد يسرت حيازة وإتجار تنظيم داعش الإرهابي بالنفط السوري المنهوب وتهريبه إلى تركيا بالتعاون مع نظام أردوغان الراعي للإرهاب، ودأبت، من خلال تحالفها غير الشرعي، على شن اعتداءات متكررة على قوات الجيش العربي السوري لمنعها من تحرير المناطق التي كان يحتلها تنظيم داعش الإرهابي في شمال شرق سوريا. فقبل يومين، اعتدت حوامتان أمريكيتان على حاجز للجيش العربي السوري جنوب شرق القامشلي مما أدى إلى استشهاد جنديس وإصابة اثنين آخرين بجروح، وكلنا يذكر الاعتداء الآثم الذي شنته قوات الاحتلال الأمريكي على مواقع الجيش العربي السوري في جبل الثردة بدير الزور بتاريخ 17/9/2016 لتمكين تنظيم داعش الإرهابي من السيطرة على تلك المواقع.

وسبق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن أعلن صراحةً بتاريخ 27/10/2019، أنه "يعتزم القيام بعقد صفقة مع إحدى الشركات الأمريكية للذهاب إلى سوريا والحصول على حصتها من النفط السوري!". وجدّد ترامب التأكيد على مسعاه هذا بتاريخ 1/11/2019 بإعلانه عزمه على الاحتفاظ بالنفط السوري لأنه "يحب النفط!". ومن المعلوم للجميع أن الإدارة الأمريكية كانت قد سمحت لشركات نفطٍ أمريكية يشرف على عملها نائب الرئيس الأمريكي الأسبق "ديك تشيني" باستخراج النفط السوري من أراضي الجولان السوري المحتل في انتهاك صارخ لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات الصلة، وهنا نسأل: هل يعبر ذلك عن احترام الولايات المتحدة، البلد المضيف لهذه المنظمة والعضو الدائم في مجلس الأمن والمؤتمن على المساهمة في حفظ السلم والأمن الدوليين، للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وللحل السياسي في سوريا؟

السيد الرئيس،

     لقد شهدت الفترة الماضية أيضاً إبرام شركة Creative International Associates الأمريكية لاتفاق تعاون مع ما يسمى بـ"المجلس المدني في مدينة دير الزور" والذي يعمل تحت مظلة ميليشيات "قوات سوريا الديمقراطية"، وهي الميليشيات ذاتها التي أصدرت قبل أيام ما يسمى بـ"قانون إدارة أملاك الغائب" الذي يهدف لنهب ممتلكات السوريين الذين تآلفت جهود تنظيمي داعش وقسد لتهجيرهم من مناطقهم وتغيير تركيبتها السكانية. فهل ينسجم هذا الاتفاق الذي رعته الإدارة الأمريكية وقواتها المحتلة مع الالتزام بسيادة بلادي ووحدة وسلامة أراضيها؟ إن سجل الولايات المتحدة المعيب بحق العشرات من الدول الأعضاء في هذه المنظمة يجيب على هذا التساؤل ويظهر عدم إيمان الإدارات الأمريكية بمبادئ ومقاصد هذه المنظمة الدولية.                                                                                                                                                                                                                                                                               

تدين بلادي، الجمهورية العربية السورية، هذه الممارسات وأي أعمال مماثلة أو صفقات مشبوهة تتم مع ميليشيات عميلة وإرهابية أو هيئات مصطنعة لا تتمتع بأي أهلية أو صفة قانونية، وتؤكد أن هذه الممارسات لاغية وباطلة ولا أثر قانوني لها كونها تشكل اعتداءً سافراً على سيادة الجمهورية العربية السورية وموارد الشعب السوري. إن القانون الدولي يتقلب في تربته من هذه الأفعال.

السيد الرئيس،

       من جانبه، يواصل النظام التركي ممارساته الهادفة لتعزيز احتلاله لأجزاء من أراضي بلادي ومحاولة تغيير طابعها القانوني والديمغرافي والاقتصادي والمالي من خلال السعي لتتريكها وتهجير سكانها ونهب عقاراتهم وممتلكاتهم وفرض تداول العملة التركية فيها وإطلاق أسماء شخصيات تركية وعثمانية على ساحاتها وشوارعها لا بل وحتى على التنظيمات والكيانات الإرهابية التي يشرف على تشغيلها واستثمارها في اعتداءاته على الدولة السورية وفي حروبه الخارجية في ليبيا وغيرها أيضاً كتنظيم "لواء السلطان مراد الإرهابي" و"لواء السلطان محمد الفاتح" و"حركة نور الدين الزنكي" وغيرها، وهي كلها كما ترون تسميات ذات صلة بالتاريخ العثماني.   

       إن هذه الجرائم هي غيض من فيض من جرائم نظام أردوغان الذي لم يحترم يوماً تعهداته بموجب اتفاقات استانا وتفاهمات سوتشي، ولم يترك جريمة موصوفة إلا وارتكبها كدعم الإرهاب وتسهيل تسلل المقاتلين الإرهابيين الأجانب إلى سوريا، وتزويد التنظيمات الإرهابية بالمواد الكيميائية السامة لاستخدامها ضد المدنيين وتلفيق الاتهامات للحكومة السورية، وشن أعمال العدوان والاحتلال بما فيها العدوان على مدينة كسب وما يسمى بـ"عملية نبع السلام" والتغلغل العسكري التركي في شمال وشمال غرب سوريا، ونهب المعامل وممتلكات السوريين في حلب وريفها، وحرق المحاصيل الزراعية أو نهبها، والإتجار مع داعش والتنظيمات الإرهابية بالنفط والآثار المنهوبة، وغيرها.

      وفي الوقت الذي تنعقد فيه هذه الجلسة، يعيش ما يزيد عن مليون سوري من أهالي الحسكة وريفها دون مياه شرب في ظل حر شديد وخوف من تفشي فيروس كورونا، وكل ذلك هو نتيجة لصمت مجلسكم هذا على مواصلة النظام التركي لاستخدام المياه كسلاح حرب ضد المدنيين، وذلك من خلال قيامه بقطع مياه الشرب من محطة علوك لما يزيد عن /15/ مرة ولفترات تتراوح بين يومين وعشرة أيام. وكذلك قيام قوات الاحتلال التركي بخفض طاقة انتاج المحطة إلى حدودها الدنيا، فإلى متى سيبقى مجلسكم هذا صامتاً أمام جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها أردوغان؟ هل لديكم جواب؟

 تؤكد الجمهورية العربية السورية مجدداً أن وجود القوات العسكرية التركية على الأراضي السورية هو عدوان واحتلال وانتهاك جسيم لمبادئ القانون الدولي وأحكام ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ العلاقات الودية وحسن الجوار بين الدول. كما تؤكد بلادي أن قيام النظام التركي بمصادرة وقضم مساحات من الأراضي السورية وبناء ما يسمى بالجدار العازل عليها لن يغير من الواقع القانوني لهذه الأراضي وعائديتها للجمهورية العربية السورية، ولن يؤدي بأي شكل من الأشكال إلى المساس بالحقوق القانونية والسيادية للجمهورية العربية السورية أو يمثل نتيجة مسبقة لأي ترسيم ثنائي مستقبلي للحدود. إن استقواء النظام التركي بعضويته في حلف الناتو لاستعداء الدول المجاورة لبلاده والتطاول على الحقوق السيادية لهذه الدول إنما يزيد من مسؤولية هذا الحلف عن غياب الاستقرار في منطقة حوض المتوسط بأسرها ورفع مستوى التصعيد إلى مستويات غير مسبوقة.   

السيد الرئيس،

        يواصل الفريق الوطني استعداداته للمشاركة في الجولة القادمة لاجتماعات اللجنة الدستورية التي ستنعقد في جنيف بعد أيام. ونعيد التأكيد على أن هذه العملية يجب أن تبقى سورية – سورية ودون أي تدخل خارجي، وأن الأسس التي تم الاتفاق عليها والمرجعيات التي تم التوصل إليها يجب التمسك بها واحترامها وعدم السماح بالتلاعب بها لحرفها عن مهامها وغايات تشكيلها أو السعي لتغيير آليات عملها تحت أي عنوان كان.

       نعم، نعيد ونكرر على مسامع الجميع أن الحل هو سياسي بيد السوريين وحدهم من دون أي تدخل خارجي. حلّ يضع السوريون مقاساته بأنفسهم لحماية وطنهم من الضباع التي تروم به سوءاً، وليس على مقاسات الإدارة الأميركية وأردوغان اللذين يحتلان أجزاء عزيزة من أرضهم. يبدو من حديث زميلتي سفيرة الولايات المتحدة الأميركية أن سياسة إدارتها تجاه بلادي تقوم على تصفية حساباتها مع كل من يقف إلى جانب بلادي ضد المؤامرة التي تستهدف سوريا وتستهدف تلك الدول. ولذلك ليس غريباً أن تبدأ السفيرة الأميركية بيانها بالحديث عن إيران وكأن موضوع الجلسة اليوم هو مناقشة ورطة الإدارة الأمريكية بعد انسحابها من خطة العمل الشاملة المشتركة المعروفة اختصاراً باسم JCPOA.

السيد الرئيس،

        وتجدد الجمهورية العربية السورية مطالبتها الأمين العام ومجلس الأمن بالتحرك العاجل استجابةً للشكوى المقدمة بتاريخ 31/5/2020، وإدانة أعمال العدوان والاحتلال والتدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية السورية، وكذلك الآثار الكارثية للتدابير القسرية الانفرادية التي تفرضها الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي رغم مناشدات الأمين العام ومبعوثه الخاص والكثير غيرهم والتي تحول دون حصول السوريين على احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والدواء والتجهيزات الطبية لاسيما في ظل انتشار جائحة كورونا وآثارها الوخيمة، ونؤكد أن هذه التدابير تمثل جريمة قتل متعمد لشعوب الدول التي تطالها.

        كلمة ودّية أخيرة للسيد المبعوث الخاص بيدرسون، سمعته يصف في بيانه قوّات الاحتلال الأمريكية بأنها قوات التحالف الدولي! وبطبيعة الحال، المرحوم القانون الدولي والشهيد الميثاق وهو والمجلس وأنا، كلنا نعرف بأن وجود القوات الأمريكية في بلادي هو وجود احتلالي غير شرعي. ولذلك أدعو صديقي السيد بيدرسون إلى تدقيق هذا المصطلح.

         شكراً السيد الرئيس.